ادسنس03

الأربعاء، 20 أبريل 2016

الإلزام الخلقي

ا لإلزام الخلقي

في الحقيقة أنَّ موضوع ( الإلزام الخلقي ) من الأهمية بمكان ، خصوصاً مع انتشار الآراء المخالفة لشمولية الإسلام بين أبناء المسلمين من المفكرين والإعلاميين الذين يتناولون طرق الإلزام ويرونه قاصراً على الوازع الذاتي ، أو غيرهم ممن يقصره على الوازع الخارجي ، وسأعرض الموضوع مبسطاً عبر وقفات ثلاث : ( التعريف ، مصادر الإلزام في الفكر الوضعي ، ومصادره في الإسلام ) ، والله المعين .
 *التعريف :

إنَّ بذل الجهد في طلب المعرفة بالفضائل والرذائل ليس هدفه معرفي فحسب ، بل الغاية المنشودة منه : تحقيق الفضيلة ، ومحاربة الرذيلة ، على أرض الواقع ن وفي كل ذات بشرية .

والمعرفة - في حد ذاتها - ليست كافية لتحقق الغاية المنشودة ، فهي - مع كونها مهمة إنسانية عظيمة - قد تنقلب إلى وبال ، وذلك إن حملها من ليس لها بأهل ، من بني البشر ، الذين لا يعملون بما علموا ، ولا يتحلون بصفات المسؤولية الإنسانية ، ولذا وصفهم الله - جلّ جلاله - بقوله : ﴿ أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أو يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلا كالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ سَبِيلاً ﴾

فالمعرفة تُقتل إذا لم تحقق فائدتها ، وهي : العمل .

إنَّ الإلزام الخلقي يُعبِّر عن هذه الضرورة ، من خلال كونه وسيلة لتحقيق الهدف الأخلاقي العملي ، فهو إذاً ركيزة النظام الخلقي ، و الفائدة من المعرفة ، وبدونه لا تعدوا القيم الخلقية كونها مجرد أفكار ذهنية ، أو حروف يسود بها بياض الصفحات .(1)

فالإلزام الخلقي : إيجاب القيم الخلقية على الأفراد والمجتمعات بالطريقة التي يتحقق معها الامتثال سواء كان عن اختيار أم لا .

وهذا التعريف يمتاز بشموليته ، حيث إنَّ كثيراً من التعريفات التي تناولت هذا المصطلح ، قد قصرت مفهومه على رؤية واضعيها فيما يخالفهم فيه غيرهم ، كمن جعل المراد بالإلزام : ما ينبع من ذات الإنسان ، نظراً لكونه يعد مصدره داخلياً (2) وهذا فيه تجاهل لطرق الإلزام التي يراها غيره ، والتي تكون خارجية تفرض على المرء ، مع التسليم بكون القيمة الخلقية تنقص في هذه الحالة (3) إلا أن حقيقة الإلزام الخلقي لا تنتفي .
بعض الباحثين فرَّق بين ( الإلزام ) و ( الالتزام ) ، فجعل الأول معبراً عن الإيجاب الخارجي المفروض ، والثاني عن النابع من ذات الإنسان وداخله . (4)

والإلزام الذي تناولناه يشتمل على كل ذلك ، فيكون الالتزام بمرادهم مندرج تحت ( الإلزام الخلقي ) بطرقه المختلفة .

*مصادر الإلزام في الفكر الوضعي :

تعددت آراء الفلاسفة والمفكرين - قديماً وحديثاً - في تحديد المصدر الذي تستمد منه سلطة الإلزام الخلقي ، وهي بمجملها تعود إلى اتجاهين :
الاتجاه الأول : يرى أنها داخلية تنبع من ذات الإنسان .
الاتجاه الثاني : يرى أنها خارجية تفرض على الإنسان . (5)

وفيما يلي بعض المصادر التي أفرزها الاتجاه الأول :

المصدر الأول : العقل :

وعلى رأس القائلين به : ( كونفشيوس ) حكيم الصين .(6)

ومن بين فلاسفة الأخلاق في الفلسفة الحديثة : كانط " فالأخلاق لا تستقيم عنده بغير سلطة ملزمة تستمد إلزامها من العقل ، الذي يعرف الواجب وخصائصه ، ويأمر به ، والإنسان باعتباره عقلاً درّاكاً يضع القوانين الأخلاقية لنفسه ... فيكون الإنسان هو المشرِّع والمنفّذ " . (7)

وكذلك المعتزلة الذين اهتموا بالعقل وجعلوه سابقاً على الشرع في التحسين والتقبيح ، كما جعلوه مصدر إلزام بالأخلاق ، فالعقل حاكم بالتكاليف ، والإنسان مكلف قبل ورود الشرع .(8)

والحق : أنَّ العقل ليس كافياً ليكون مصدرَ إلزام وحيد ، إذْ هو - وإن كان يدرك الأصول - قاصر عن إدراك التفاصيل والجزئيات الأخلاقية ، فكيف يلزم بها ؟

وبالتسليم - جدلاً - بأنه قادر على إدراك القيم الخلقية ، فإنه " لم يصلح لإلزام الجميع بالأخلاق الحميدة ، ولم يكن له الأثر المرجو في واقع الحياة ، حيث نشاهد الانفلات في القيم الحميدة ، والانغماس في الأخلاق الفاسدة والشهوات الثائرة ... ودائماً لا يخضع الإنسان إلا لشيء أعلى منه وأكبر وأقدر " .(9)

" إنَّ العقل - وإن كان نوراً فطرياً إلهياً - إلا أنه محوط بحجب كثيفة من الهوى والرغبة والعادات والأعراف ، ومحوط كذلك بالتناقضات الفردية التي تجعل منه عقولاً عدة لا عقلاً واحداً ، ولكلٍ منها رؤية وتوجّه ، وكل ذلك يفعل فعله في التشويش على نقاء العقل وصفائه ، فلا يحسن الاختيار ويضل الطريق وهو بصدد التعرف على القيم والأخلاق .

ولو تصورنا العقل الإنساني مصدراً وحيداً للأخلاق ، وحاولنا أن نستوحي منه واجباتنا نحو الله أو نحو أنفسنا أو نحو أصدقائنا [ ومن حولنا ] فإن الإجابة ستأتينا مضطربة ومختلفة ومتناقضة ، ولو رحنا نتعرف منه ما يجب وما لا يجب في تفاصيل حياتنا اليومية فإننا سنواجه بركام هائل من الأحكام المتناقضة إلى الحد الذي يمكن معه إباحة الرذائل وتجريم الفضائل ".(10)

المصدر الثاني : الضمير :

حيث يتمثل إلزامه بالألم النفسي والشعور بالذنب وتأنيب الضمير في جانب العقاب ، والسعادة و الرضى والطمأنينة وراحة الضمير في جانب الثواب .(11)

وإلى القول بسلطة الضمير ذهب أصحاب الحاسة الخلقية ، وهاتشيسون ، وآدم سميث ، وجاك روسو .(12)

إلا أنَّ الضمير ليس كافياً للإلزام ، فهو بحاجة لما يبعثه ويقويه - وهو الدين - كما أنَّ هناك من ينعدم ضميره فلا يرتدع عن الفواحش إلا بجزاء محسوس قوي وقادر على الزجر ، وهذا مالا يتوفر في الضمير .

المصدر الثالث : المنفعة واللذة :

سواء كانت المنفعة فردية أو جماعية فقد اعتبرها بعضهم مصدر إلزام " فبقدر ما يحقق العمل من نفع ولذة يكون خيراً يجب فعله ، وبقدر ما يحقق من خسارة وألم يكون شراً يجب تركه " .(13)

وممن يرى هذا الرأي : " أبيقور " في المنفعة الشخصية ، وكذلك " هوبز " الذي غلا في المنفعة العامة ، و" مل " الذي يعتبر رأس الفضيلة ( العدل ) ناشئ عن حب الذات والأنانية ، وكذلك " سنبسر " و " ليتريه " .(14)

والحقيقة أنَّ المنفعة واللذة لهما أثرهما الذي لا ينكر في واقع الناس ، ولطالما كانتا خلف كثير من تصرفاتهم ، خصوصاً أولئك الذين لا يؤمنون بالله والدّار الآخرة من أرباب المادة ، ولطالما بررت السلوكيات السيئة من ظلم الآخرين و الإضرار بمنفعة الجماعة لتحقيق منفعة شخصية ، أو لتحقيق منفعة لجماعة أخرى ، ولطالما صدّت عن كثير من الفضائل نظراً لعدم ترتب الجزاء العاجل عليها ، ومن خير الشواهد على ذلك : جرائم المستعمرين ، و طغيانهم على الدول الأخرى وانتهاك سيادتها ونهب ثرواتها ، كل ذلك بداعي تحقيق المنافع ، و كذلك السياسة الأمريكية التي تتسم باطّراح العدل حين تناول القضايا العربية على وجه الخصوص ، والإسلامية بشكل عام ، وما الازدواجية والكيل بمكيالين إلا نتاج هذه المنفعة المزعومة ، فمثلها لا يصلح مصدر إلزام أبداً .(15)

ومن المصادر التي أفرزها الاتجاه الثاني :

المصدر الرابع : الضغط الاجتماعي :

أو ما يسمى بالعرف ، من العادات والتقاليد .

ويرى القائلون به أنَّ " البيئة وظروفها هي التي تشكل مصدر الإلزام الخُلقي ، فالعرف الاجتماعي والعادات والتقاليد أوامر ملزمة للفرد ، لكي يسلك سلوكاً يتمشى مع ما تواضعت عليه الجماعة - من عادات وتقاليد - ومن يتمرد على هذه المواضعات الاجتماعية فإنه يلقى الجزاء والعقاب على ذلك ، إذْ يعرِّض نفسه لسخرية المجتمع ونقد الجماعة " .(16)

وممن يعتبر هذه السلطة في الإلزام : دوركايم ، وليفي بريل ، وأوجست كوات .(17)

إنَّ القانون الاجتماعي قاصر في الأساس عن إدراك الفضائل ، فهو وضع بشري ، يعتريه النقص ، ويعاني من القصور ، كما أنَّ سلطته محدودة بمكان معين ، وزمان معين ، تنعدم بانعدامهما ، و قدر معين أيضاً ، فليس له مجال في مراقبة الفرد أثناء خلوته وغيبته عن أعين الناس ، حتى تلك القوانين التي سنّها غير المسلمين للحفاظ على الأخلاق لا تقدر على إلزام الناس بالأخلاق ، بل إن واضعها يتحايل عليها لتمرير حظوظه ، و في بعض الأحيان لا تُعدم تبريراً مِن قبلها لسلوك قبيح . (18)

المصدر الخامس : السلطة الكهنوتية :

حيث تستغل الدين المحرّف ، وترى فيه المحدد لأنماط السلوك المختلفة ، والواضع للجزاءات المناسبة ، وما ورد فيه أمراً ونهياً فعلى الجماعة الالتزام به ، ولا ترى في غيره مصدر إلزام ، والدين فيها خاضع لرغبات البشر من القساوسة و الأحبار والرهبان ، وليس مستمداً من الوحي الإلٰهي ، وتتمثل هذه السلطة في النصرانية : مِن القدِّيس أوغسطين حتّى توماس الأكويني ، وديكارت . (19)

قال تعالى : ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ ﴾ 

وفي الحديث الشريف : أنَّ عدي بن حاتم - رضي الله عنه - سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية ، فقال : لسنا نعبدهم يا رسول الله . فقال الرسول صلوات ربي وسلامه عليه : " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه ، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه " .(20)

وبعدَ عرضنا لهذه المصادر الوضعية الخمسة ، فإنَّ المتأمل فيها يجد أنَّ إلزامها يتسم بالقصور - عوضاً عن كونها قد تُدخل في الفضيلة ما ليس منها وقد تخرج من الرذيلة ما هو منها - فهو إن كان مجدياً مع لون من الناس ، لن يكون مجدياً مع بقية الألوان ، فالنفوس مختلفة والتوجهات متباينة ، والخير له أرباب ، والشر له أصحاب " إنّها من صنع الإنسان لنفسه ، ووضعه لبني جنسه ، وكلها غير ثابتة ، وكلها ناقصة وقاصرة ... لا أقول ذلك لكوني مسلماً فقط ، ولكن أيضاً لأني إنسان عاقل مشاهد لواقعٍ مرٍّ ، تحياه الدنيا وهي تتنكب جادّة الصواب ، وتدير ظهرها لربها ووحيه ، وتقنع نفسها بما أنتجته أفكارها ، وما قرره زعماؤها ، فما أحوج البشرية أن ترجع إلى فطرتها الأولى "(21) وتستسلم لله بالعبودية .

*مصادر الإلزام في الإسلام :

كما هي سائر التشريعات والأحكام ، فإنّ المصدر الذي يستمد منه الإلزام في الإسلام : الوحي الإلٰهي ، المتمثل في القرآن الكريم ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَٰفِظُونَ﴾ والسنّة الغراء ، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم ﴿ومَا يَنْطِقُ عَن الهَوَىٰ * إنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴾.

ذلك أنَّ الله - عزّ و جلّ - هو العليم بخلقه وما يصلحهم ، اللطيف بهم : ﴿ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطِيْفُ الخَبِيْرُ﴾ .

وبالنظر في طريقة الإلزام الخُلقي في القرآن والسنة ، نجد أنها متدرجة ، تبدأ أولاً بالوازع الذاتي ، ثم تنتقل إلى الخارجي ، في دور تكاملي ، وشمول ٍ لا يضاهيه شمول في كافة المذاهب والفلسفات القديمة والحديثة ، حيث إنها قد أخذت في الحسبان مختلف أصناف البشر ، وتعدد اتجاهاتهم ورغباتهم ، الخيّرة والشريرة ، فوضعت لكل ٍ ما يناسبه ، وفق حِكَم إلٰهية بالغة ، تقف القوانين الوضعية أمامها عاجزة وخاسئة .

وفيما يلي نعرض لمصادر الإلزام في الإسلام ، مصنفة باعتبار كونها داخلية وخارجية ، وقد وضعنا في كل صنف مصدرين . (22)

الصنف الأول : المصادر الداخلية ، المتمثلة في ضمير المؤمن بالله المراقب له ، وسلطان العقل .

الصنف الثاني : المصادر الخارجية ، المتمثلة في سلطة المجتمع المسلم ، وسلطة الحاكم المسلم .

أولاً : المصادر الداخلية :

1- يأتي الضمير في الدرجة الأولى ، ذلك الضمير الذي غُذي بالإيمان بالله عزّ وجلّ ، واستحضار رقابته على العبد ، ولقد عني القرآن والسنة بتقوية هذا الوازع وتنميته ، وتكمن أهميته في أنه عمدة الصلاح والفساد ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : " إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب "(23).

" فإنّه - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد القطعة الصنوبرية الشكل في جسم الإنسان ، وإنما كان يقصد أثرها في توجيه السلوك الإنساني " (24)، ولا شك أنّ صلاحها إنما يكون بالإيمان بالله ، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ ومَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾.
والإيمان يولد الرقابة ، والقرآن مليء بالآيات المقررة لمعنى رقابة الله على خلقه ، الداعية لاستشعارها قبل الإقدام على أي عمل ، يقول تعالى : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَاتُوسْوِسُ بِه نَفْسُه ونَحْنُ أقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيْدِ﴾ ، ويقول عزّوجلّ : ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلوا مِنهُ مِن قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُون مِن عَمَلٍ إلا كُنَّا علَيْكُم شُهُوداً إذْ تُفِيْضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عن رَبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا فِي السّمَاءِ ولا أصْغَر مِنْ ذَلكَ ولا أَكْبَر إلا فِيْ كِتَابٍ مُبِيْن﴾ .

يقول ابن كثير - رحمه الله - : " يخبر تعالى نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه ،أنّه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته ، وجميع الخلائق في كل ساعة وآن ولحظة ، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السماء و لا في الأرض ، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين ، كقوله تعالى :﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يعْلَمُهَا إلا هُوَ ويَعْلمُ مَا فِي البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ من ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها﴾ 
فأخبر - سبحانه - أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات ، وكذلك الدواب السارحة ... وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء فكيف بعلمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة ؟ "(25).

ويقول تعالى : ﴿يَعْلَمُ خَائنَةَ الأعْيُنِ وَمَاتُخْفِي الصُّدُور﴾ .

هكذا ينمي القرآن هذا الوازع ، الذي هو " من أعظم الزواجر لا سيما في الذنوب التي لا تطالها يد العدالة الأرضية ، والعيوب التي لا تراها أعين الناس " (26).

2- ثم بعد الضمير يأتي العقل ، حيث إنه مناط التكليف ، ووظيفته الدلالة والإرشاد ، ولقد عني القرآن " بذكر البراهين العقلية ، والحِكم لكثير من العبادات والمعاملات ، وبشَّر من يؤت الحكمة بالخير الكثير ... ومن ذلك قوله تعالى في الوحدانية : ﴿ أءرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خيرٌ أم اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ ﴾ وقوله في حكمة الصلاة : ﴿ وأَقِم الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَن الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ﴾ وكذلك ما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جاءه رجل يشك في نسبة ولده إليه ، لأنَّ الغلام أسود مخالف له في اللون ، فقال له - صلى الله عليه وسلم - : هل لك من إبل ؟ قال : نعم . قال : فما ألوانها ؟ قال : حمر . قال : فهل فيها من أورق ؟ قال : نعم . قال : فأنّى له ذلك ؟ ! قال الرجل : لعله نزعه عرق . فقال صلى الله عليه وسلم : فلعل ابنك هذا نزعه عرق .(27)
بهذا اللون من الحوار التقريري الذكي - مستغلاً عنصر التمثيل - حقق للرجل الاقتناع العقلي " .(28)

وفي الحديث:"إنَّ فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله،الحلم والأناة"(29)
قال النووي - رحمه الله - : " أما الحلم فهو العقل ، وأما الأناة فهي التثبت وترك العجلة " .(30)

ثانياً : المصادر الخارجية :

3- حينما يشذ الإنسان عن استحضار رقابة نفسه ، وينعدم لديه الوازع الذي من ذاته ، فإنه يحتاج لسلطة أكبر من نفسه ، إنها سلطة محيطه الذي يعيش فيه ، وهذا ما نسميه : ( سلطة المجتمع المسلم ) والإسلام عزز هذه السلطة ، وبين مفهومها ، وسنّ طريقتها ، وذلك عن طريق أمور منها :

* الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . 

* الصبر على الحق والتواصي به .

* الهجر والعتاب مع المذنبين . (31)

يقول تعالى في الأول : ﴿ولتَكُنْ مِنْكُم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأمُرُون بالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَن المُنْكَرِ وأولٰئكَ هُم المُفْلِحُونَ﴾

ولقد صوّر - صلى الله عليه وسلم - مهمة المجتمع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أبلغ تصوير ، حينما قال : " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ،فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجو ونجوا جميعاً " .(32)

ولأهمية هذه المهمة استحق المجتمع اللعنة إن هو تركها ، كما قال تعالى : ﴿لُعِنَ الذِينَ كفَرُوا مِن بَني إسْرَائيْلَ على لِسَانِ داودَ وعِيسَى ابن مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوا وكََانُوْا يَعْتَدُونَ * كانوا لا يَتنَاهُونَ عَن منْكَرٍ فَعَلُوه﴾

أما التواصي بالحق والصبر عليه ، فقد قال تعالى في سورة العصر : ﴿والعَصْرِ * إنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلا الذِيْنَ آمَنُوا باللهِ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتَواصَوا بِالحَقِ وتَوَاصَوا بِالصَّبْرِ﴾

والهجر ، فإنه وسيلة استخدمها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الثلاثة الذين خلفوا ، كما في قصة كعب بن مالك المشهورة .(33)

4- تبقى ثلة من الناس لا يمنعهم من الإثم شيء مما سبق ، فلا ضمائرهم تزجرهم ، ولا عقولهم تبَصِّرهم ، وقد جف ماء الحياء من وجوههم ، فلم يقيموا لنقد الناس وزناً ، فيجيء حينها سلطان القوة ، فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .

وتتمثل سلطة الحاكم المسلم في أمور منها :

صيانة الدين وحفظه ، ونصب القضاة ليحكموا بشرع الله ، وإقامة الحدود ، وحماية البلاد ، والجهاد في سبيل الله ، وتولية الأكفاء الأمناء ، وجباية الأموال المستحقة ، وصرفها في وجوهها بالعدل والإحسان .(34)

" مما سبق يتبين لنا أنَّ الإسلام لا يكتفي بعامل واحد كمصدر للإلزام ، بل أخذ في نظامه بعوامل مختلفة تتناسب مع الفروق الفردية بين الناس ، لأنَّ الناس ليسوا جميعاً على درجة واحدة في التأثر بهذا العامل أو ذاك ، بل إن العبد يقرع بالعصى ، والحر تكفيه الإشارة ، والناس معادن " (35)

- - - - - الهوامش : - 

(1) انظر : الأخلاق والعرف ، هنية القماطي ، ص : 153 .

(2) انظر : النظام الأخلاقي في الإسلام ، محمد عقلة ص: 107 ، و: فلسفة الأخلاق عند مسكويه وإشكالية الواقع ، سليمان جندي ، ص: 172 .

(3) انظر : في الفلسفة الخلقية لدى مفكري الإسلام ، محمد السيد الجليند ص: 125 .

(4) انظر : الأخلاق والعرف ص : 155 ، و: فلسفة الخير عند مسكويه وإشكالية الواقع ص : 172 .

(5) انظر : في الفلسفة الخلقية لدى مفكري الإسلام ، ص : 100 .

(6) النظام الخلقي في الإسلام ، عبد الرحمن أبو عامر ص : 112 .

(7) في الفلسفة الخلقية لدى مفكري الإسلام ص : 101 .

(8) المرجع السابق ص 102 .

(9) النظام الخلقي في الإسلام ص : 113- 114 .

(10) بحوث في الثقافة الإسلامية ، محمد أحمد الطيب وآخرون ، ص : 356 - 357 .
(11) انظر : المرجع السابق ص : 363 .

(12) في الفلسفة الخلقية لدى مفكري الإسلام ص : 101 .
(13) النظام الخلقي في الإسلام ص: 114 .
(14) المرجع السابق ص: 114- 115 .
(15) انظر : النظام الخلقي في الإسلام ص : 115- 116 .
(16) في الفلسفة الخلقية لدى مفكري الإسلام ص : 100 .
(17) المرجع السابق .
(18) انظر : النظام الخلقي في الإسلام ص : 117 .
(19) في الفلسفة الخلقية لدى مفكري الإسلام ص : 100 .
(20) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير ، باب تفسير سورة التوبة ، رقم الحديث : 3104 ، وقال : غريب .
(21) النظام الخلقي في الإسلام ص : 119 .
(22) انظر : في الفلسفة الخلقية لدى مفكري الإسلام الصفحات 120 - 129 ، و : النظام الخلقي في الإسلام الصفحات : 120 - 179 .
(23) أخرجه البخاري من حديث النعمان بن بشير في كتاب الإيمان ، باب فضل من استبرأ لدينه ، رقم الحديث : 52 .
(24) في الفلسفة الخلقية لدى مفكري الإسلام ص: 120 .
(25) تفسير القرآن العظيم 2 / 521 .
(26) كلمات في الأخلاق الإسلامية، كمال عيسى ، ص: 114 .
(27) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في كتاب الحدود ، باب ما جاء في التعريض ، رقم الحديث : 6847 .
(28) كلمات في الأخلاق الإسلامية ص: 113 .
(29) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس في كتاب الإيمان ، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله .. رقم الحديث : 25 - 26 .
(30) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 1 / 141 .
(31) انظر: النظام الخلقي في الإسلام ص: 140 .
(32) أخرجه البخاري من حديث النعمان بن بشير في كتاب الشركة ، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه ، رقم الحديث 2493 .
(33) أخرجها البخاري في كتاب المغازي باب حديث كعب بن مالك ، رقم الحديث : 4418 .
(34) انظر : النظام الخلقي في الإسلام ص : 171 - 187 .

ليست هناك تعليقات: