ادسنس03

الثلاثاء، 22 مارس 2016

مقال ادبي....ولدي رجاء


ولدى . . . رجاء
أحمد حسن الزيات
يا قارئى أنت صديقى فدعنى أرق على يديك هذه العبرات الباقية! هذا ولدى كما ترى ، رزقته على حال عابسة كاليأس ، وكهولة يائسة كالهرم وحياة باردة كالموت ، فأشرق فى نفسى إشراق الأمل ، وأورق فى عودى إيراق الربيع ، وولد فى حياتى العقيمة معانى الجدة والاستمرار والخلود!
كنت فى طريق الحياة كالشارد الهيمان ، أنشد الراحة ولا أجد الظل ، وأفيض المحبة ولا أجد الحبيب ، وألبس الناس ولا أجد الأنس وأكسب المال ولا أجد السعادة ، وأعالج العيش ولا أدرك الغاية. كنت كالصوت الأصم لا يرجعه صدى ، وكالروح الحائر لا يقره هدى ، وكالمعنى المبهم لا يحدده خاطر. كنت كالآلة نتجتها آلة واستهلكها عمل فهى تخدم غيرها بالتسخير ، وتميت نفسها بالدءوب ، ولا تحفظ نوعها بالولادة. فكان يصلنى بالماضى أبى ، ويمسكنى بالحاضر أجلى ، ثم لا يربطنى بالمستقبل رابط من أمل أو ولد. فلما جاء (رجاء) وجدتنى أولد فيه من جديد. فأنا أنظر إلى الدنيا بعين الخيال ، وأبسم إلى الوجود بثغر الأطفال ، وأضطرب فى الحياة اضطراب الحى الكامل ، يدفعه من ورائه طمع ، ويجذبه من أمامه طموح! شعرت بالدم الحار يتدفق نشيطا فى جسمى ، وبالأمل القوى ينبعث جديدا فى نفسى ، وبالمرح الفتى لاهيا فى حياتى ، وبالعيش الكئيب تتراقص على حواشيه الخضر المنى! فأنا ألعب مع رجاء بلعبه ، واتحدث إلى رجاء بلغته ، وأتبع عقلى هوى رجاء فأدخل معه فى كل ملهى دخول البراءة ، وأطير به فى كل طيران الفراشة. . .
شغل رجاء فراغى كله ، وملأ وجودى كله ، حتى أصبح هو شغلى ووجودى! فهو صغيرا أنا ، وأنا كبيرا هو. يأكل فأشبع ، ويشرب فأرتوى ، وينام فأستريح ، ويحلم فتسبح روحى وروحه فى إشراق سماوى من الغبطة لا يوصف ولا يجد.
ما هذا الضياء الذى يشع فى نظراتى؟ ما هذا الرجاء الذى يشيع فى بسماتى؟ ما هذا الرضا الذى يغمر نفسى؟ ما هذا النعيم الذى يملأ شعورى؟ ذلك كله انعكاس حياة على حياة ، وتدفق روح فى روح ، وتأثير ولد فى والد؟
ثم انقضت تلك السنون الأربع ، فصوحت الواحة وأوحش القفر ، وانطفأت الومضة وأغطش الليل ، وتبدد الحلم وتجهم الواقع ، وأخفق الطب ومات الرجاء!
يا جبار السماوات والأرض رحماك! أفى مثل خفقة الوسنان تبدل الدنيا غير الدنيا فيعود النعيم شقاء والملاء خلاء والأمل ذكرى؟ أفى مثل تحية العجلان يصمت الروض الغرد ، ويسكن البيت اللاعب ، ويقبح الوجود الجميل؟
حنانيك يا لطيف! ما هذا اللهيب الغريب الذى يهب على غشاء الصدر ومراق البطن فيرمض الحشا ويذيب لفائف القلب؟ اللهم هذا القضاء فأين اللف؟ وهذا البلاء فأين الصبر؟ وهذا العدل فأين الرحمة؟
والهف نفسى عليه ساعة أخذته غصة الموت ، وأدركته شهقة الروح ، فصاح بملء فمه الجميل : (بابا! بابا) كأنما ظن أباه يدفع عنه ما لا يدفع عن نفسه!
لنا الله من قبلك ومن بعدك يا رجاء. . 

ليست هناك تعليقات: